أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
261
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أنه من كلام المستكبرين والضعفاء معا ، وجاءت كل جملة مستقلة من غير عاطف دلالة على أن كلا من المعاني مستقل بنفسه ، كاف في الإخبار . وقد تقدم الكلام في التسوية والهمزة بعده في أول البقرة . والجزع : عدم احتمال الشّدّة . قال امرؤ القيس : 2902 - جزعت ولم أجزع من البين مجزعا * وعزّيت قلبا بالكواعب مولعا « 1 » قال الراغب : « أصل الجزع قطع الحبل ، جزعته فانجزع ، ومنه جزع الوادي العادي لمنقطعه ، ولانقطاع اللّون بتغيّره ، قيل : للخرز المتلوّن جزع ، واللحم المجزّع ما كان ذا لونين ، والبسرة المجزّعة أن يبلغ الأرطاب نصفها ، والجازع خشبة تجعل وسط البيت ، يوضع عليها رؤوس الخشب من الجانبين ، بصور الجزعة لما حمل عليه من العبء أو لقطعه من بطوله وسط ، والجزع أخصّ من الحزن ، فإنّ الجزع حزن يصرف الإنسان عمّا هو بصدده . والمحيص : يكون مصدرا ، ويكون مكانا ، ويقال : حاص بالصاد المعجمة ، وجصنا بها بالجيم . [ سورة إبراهيم ( 14 ) : آية 22 ] وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 22 ) قوله : وَعْدَ الْحَقِّ . يجوز أن يكون من إضافة الموصوف لصفته ، أي : الوعد الحق ، وأن يراد بالحق صفة الباري - تعالى - وعدهم اللّه وعده ، وأن يراد ب « الحقّ » البعث ، والجزاء على الأعمال ، فتكون إضافة صريحة . قوله : إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فيه وجهان : أظهرهما : أنه استثناء منقطع ، لأن « دعاه » ليس من جنس السلطان ، وهو الحجة البينة . والثاني : أنه متصل ، لأن القدرة على حمل الإنسان على الشر تارة تكون بالقهر ، وتارة بقواه الداعية في قلبه ، وذلك بالوسوسة إليه ، فهو نوع من التسلط . وقرىء : « فلا يلوموني » بالياء من تحت على الالتفات كقوله : حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ « 2 » . قوله : بِمُصْرِخِيَّ العامة على فتح الياء ، لأن الياء المدغم فيها تفتح أبدا ، لا سيما وقبلها كسرتان . وقرأ حمزة بكسرها ، وهي لغة بني يربوع ، وقد اضطربت أقوال الناس في هذه القراءة اضطرابا شديدا ، فمن مجترىء عليها ملحن لقارئها ، ومن مجوز لها من غير ضعف ، ومن من مجوز لها بضعف ، قال حسين الجعفي : سألت أبا عمرو عن كسر الياء ، فأجازه ، وهذه الحكاية تحكى عنه بطرق كثيرة ، منها : ما تقدم ، ومنها : سألت أبا عمرو ، قلت : إنّ أصحاب النحو يلحنوننا فيها ، فقال : هي جائزة أيضا ، إنما أراد تحريك الياء فلست تبالي إذا حركتها إلى أسفل أم إلى
--> ( 1 ) البيت مطلع قصيدة من ديوان امرئ القيس ( 99 ) ، وهو من شواهد البحر ( 5 / 414 ) ، جزعت : حزنت وتملكني الجزع . البين : الفراق والبعاد . الكواعب : الفتيات اللائي كعبت ثديهن . مولع : لهج بذكرهن . ( 2 ) سورة يونس آية ، ( 22 ) .